محمد أبو زهرة
1178
زهرة التفاسير
فإنه يجوز لهؤلاء أن يظهروا لهم الولاء ، وهم بذلك يتقون ضررهم المؤكد ؛ ومعنى : أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً أي تخافوا خوفا شديدا لضرر مؤكد ، فتجعلوا إظهار الولاء وقاية تتقون بها الضرر ؛ وقد أكد سبحانه وتعالى الخوف بالمصدر فقال : أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً أي يكون الضرر ثابتا لا مجال للشك فيه ، وألا يتجاوز الولاء المظهر واتخاذ الوقاية المؤقتة . و « تقاة » مصدر وقى على وزن فعلة ، وأصله وقية ، قلبت الواو تاء كما في تؤدة أصلها وأدة ، وتهمة أصلها وهمة . وإن هذا النص يستفاد منه أن التقية جائزة ، والتقية أن يظهر المؤمن غير ما يعتقد اتقاء الأذى الذي يتلف الجسم على أن يكون نزول الأذى مؤكدا ، وهذا مأخوذ من قوله تعالى : إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ . . . ( 106 ) [ النحل ] على أن يكون ذلك مقصورا على الأحوال الأحادية لا الأحوال الجماعية ، وعلى أن يجتهد الذين يكونون في ولاية غير المؤمنين أن يخرجوا من ولايتهم وألا يبقوا مستضعفين في الأرض ؛ فقد قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً ( 97 ) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ( 98 ) فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً ( 99 ) [ النساء ] . هذا ، وإن التقية الأحادية أمر لا يعلمه إلا اللّه ، وقد يمالئ بقلبه ولسانه رجاء رجاء كما يفعل بعض ملوك المسلمين ويدعى أنه يفعل ذلك تقية ودفعا للضرر ؛ ولذا قال سبحانه محذرا هؤلاء ، ومحذرا من يوالى الكفار بشكل عام : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ : التحذير : هو التخويف لأجل الحذر واليقظة ، والعمل على منع الأمر المخوف قبل وقوعه . والتحذير لا يكون إلا حيث يتوهم الشخص الآمن ، ويعتقد أنه لا مخاف ، ولا ما يثير الخوف ؛ وإن مقام التحذير هنا واضح بين ؛ لأن أولئك الذين يوالون الكافرين يظنون أن ذلك من دواعي الأمن والاستقرار ، والواقع أنهم